فخر الدين الرازي
23
تفسير الرازي
فكان تقرير الجهة التحدي ، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة بكماله ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله ، ثم لم يخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر - الذي هو هدى - موضع الوصف الذي هو هادٍ ، وإيراده منكراً . اعلم أن فيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : * ( الذين يؤمنون ) * أما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة ، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون ، أو هم الذين ، وإما منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه * ( أولئك على هدى ) * فإذا كان موصولاً كان الوقف على المتقين حسناً غير تام ، وإذا كان منقطعاً كان وقفاً تاماً . المسألة الثانية : قال بعضهم : * ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) * يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين ، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلاً للحسنات وتاركاً للسيئات ، أما الفعل فأما أن يكون فعل القلب - وهو قوله : * ( الذين يؤمنون ) * - وأما أن يكون فعل الجوارح ، وأساسه الصلاة والزكاة والصدقة ؛ لأن العبادة أما أن تكون بدنية وأجلها الصلاة ، أو مالية ، وأجلها الزكاة ؛ ولهذا سمي الرسول عليه السلام : " الصلاة عماد الدين ، والزكاة قنطرة الإسلام " وأما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله تعالى : * ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) * ( العنكبوت : 45 ) والأقرب أن لا تكون هذه الأشياء تفسيراً لكونهم متقين ؛ وذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا بترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي ، فالترك هو التقوى ، والفعل إما فعل القلب ، وهو الإيمان ، أو فعل الجوارح ، وهو الصلاة والزكاة ، وإنما قدم التقوى الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان والصلاة والزكاة ، لأن القلب كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ، والروح يجب تطهيره أولاً عن النقوش الفاسدة ، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه ، وكذا القول في الأخلاق ، فلهذا السبب قدم التقوى وهو ترك ما لا ينبغي ، ثم ذكر بعده فعل ما ينبغي . المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : الإيمان إفعال من الأمن ، ثم يقال آمنه إذا صدقه ، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة ، وأما تعديته بالباء فلتضمنه معنى " أقر وأعترف " وأما ما حكى أبو زيد : ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت ، فحقيقته صرت ذا أمن ، أي ذا سكون وطمأنينة وكلا الوجهين حسن في * ( يؤمنون بالغيب ) * أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق . وأقول : اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق أربع .